محمد محمد أبو موسى

379

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

يهتف به الرجل بمن يناديه ، وأما نداء القريب فله « أي » والهمزة . ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وان قرب تنزيلا له منزلة من بعد ، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معنى به جدا . فان قلت : فما بال الداعي يقول في جؤاره : يا رب ويا اللّه ، وهو أقرب اليه من حبل الوريد ، وأسمع به وأبصر ؟ قلت : هو استقصار منه واستبعاد لها من مظان الزلفى وما يقربه إلى رضوان اللّه ومنازل المقربين ، هضما لنفسه واقرارا عليها بالتفريط في جنب اللّه مع فرط التهالك على استجابة دعوته ، والاذن لندائه وابتهاله ، و « أي » وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام . . . . وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل ابهامه ، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء ، وفي هذا التدرج من الابهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد ، والتشديد ، وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين ، معاضدة حرف النداء ، ومكاتفته ، بتأكيد معناه ، ووقوعها عوضا مما يستحقه ، أي من الإضافة . فان قلت : لم كثر في كتاب اللّه النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره ؟ قلت : لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة لأن كل ما نادى اللّه له عباده من أوامره ، ونواهيه ، وعظاته ، وزواجره ، ووعده ، ووعيده ، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليها ، وغير ذلك مما انطلق به كتابه ، أمور عظام ، وخطوب جسام ، ومعان عليهم أن يتيقظوا لها ، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها ، وهم عنها غافلون ، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ » « 291 » ويذكر الزمخشري أن نداء الجماد في القرآن مظهر من مظاهر استعلاء الربوبية وانقياد الأشياء لها ، ولهذا يعمد القرآن إلى هذا الأسلوب ، وله عنه مندوحة ، ليبث في النفوس هيبة الربوية ، ويطبع فيها الشعور بعزتها وكبريائها . يقول في قوله تعالى : « وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ

--> ( 291 ) الكشاف ج 1 ص 68 .